فصل: تفسير الآيات (44- 47):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (40- 43):

{إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)}
{إنَّ الذين كذبوا بآياتنا} بحججنا التي تدلُّ على توحيد الله، ونبوَّة الأنبياء {واستكبروا عنها} ترفَّعوا عن الإِيمان بها والانقياد لأحكامها {لا تفتح لهم أبواب السماء} لا تصعد أرواحهم، ولا أعمالهم، ولا شيء ممَّا يريدون الله به إلى السَّماء {ولا يدخلون الجنة حتى يلج} يدخل {الجمل في سم الخياط} ثقب الإِبرة. يعني: أبدأً {وكذلك} وكما وصفنا {نجزي المجرمين} أَي: المكذِّبين بآيات الله، ثمَّ أخبر عن إحاطة النَّار بهم من كلِّ جانبٍ، فقال: {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} يعني: لهم منها غطاءٌ، ووطاءٌ، وفراشٌ ولحافٌ {وكذلك نجزي الظالمين} يعني: الذين أشركوا بالله.
{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلاَّ وسعها} أَيْ: إلاَّ ما تطيقه ولا تعجز عنه، والمعنى: لا نكلِّف نفساً منهم إلاَّ وسعها، ثمَّ أخبر بباقي الآية عن مآلهم.
{ونزعنا ما في صدورهم من غل} أذهبنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدُّنيا {تجري من تحتهم الأنهار} من تحت منازلهم وقصورهم، فإذا استقرُّوا في منازلهم {قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا} أَيْ: هدانا لما صيرَّنا إلى هذا الثَّواب من العمل الذي أدَّى إليه، وأقرُّوا أنَّ المهتدي مَنْ هدى الله بقوله: {وما كنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله} فحين رأوا ما وعدهم الرُّسل عياناً قالوا: {لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكُم الجنة} قيل لهم: هذه تلكمُ الجنَّة التي وُعدتم {أورثتموها} أُورثتم منازل أهل النَّار فيها لو عملوا بطاعة الله {بما كنتم تعملون} توحِّدون الله وتطيعونه.

.تفسير الآيات (44- 47):

{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)}
{ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا} في الدُّنيا من الثَّواب {حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم} من العذاب {حقاً}؟ وهذا سؤال تعييرٍ وتقريرٍ، فأجاب أهل النَّار و{قالوا نعم فأذَّن مؤذنٍ بينهم} نادى منادٍ وسطهم نداءً يُسمع الفريقين، وهو صاحب الصُّور {أن لعنة الله على الظالمين}.
{الذين يصدون} يمنعون {عن سبيل الله} دين الله وطاعته {ويبغونها عوجاً} ويطلبونها بالصَّلاة لغير الله، وتعظيم ما لم يعظِّمه الله.
{وبينهما} بين أهل الجنَّة وبين أهل النَّار {حجاب} حاجزٌ، وهو سور الأعراف {وعلى الأعراف} يريد: سور الجنَّة {رجال} وهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم {يعرفون كلاً بسيماهم} يعرفون أهل الجنَّة ببياض الوجوه، وأهل النَّار بسوادها، وذلك لأنَّ موضعهم عالٍ مرتفع، فهم يرون الفريقين {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم} إذا نظروا إلى الجنَّة سلَّموا على أهلها {لم يدخلوها} يعني: أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنَّة {وهم يطمعون} في دخولها.
{وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار} أَيْ: جهة لقائهم.

.تفسير الآيات (48- 52):

{وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)}
{ونادى أصحاب الأعراف رجالاً} من أهل النَّار {يعرفونهم بسيماهم} من رؤساء المشركين فيقولون لهم: {ما أغنى عنكم جمعكم} المال واستكثاركم منه {وما كنتم تستكبرون} عن عبادة الله، ثمَّ يقسم أصحاب النَّار أنَّ أصحاب الأعراف داخلون معهم النَّار، فتقول الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف: {أهؤلاء الذين أقسمتم} يا أصحاب النَّار {لا ينالهم الله برحمة} يقولون لأصحاب الأعراف: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}.
{ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} يعني: الطَّعام، وهذا يدلُّ على جوعهم وعطشهم {قالوا إنَّ الله حرمهما على الكافرين} تحريم منع لا تحريم تعبُّدٍ.
{الذين اتخذوا دينهم} الذي شُرع لهم {لهواً ولعباً} يعني: المستهزئين المُقتسمين {فاليوم ننساهم} نتركهم في جهنَّم {كما نسوا لقاء يومهم هذا} كما تركوا العمل لهذا اليوم {وما كانوا بآياتنا يجحدون} أَيْ: وكما جحدوا بآياتنا ولم يُصدِّقوها.
{ولقد جئناهم} يعني: المشركين {بكتاب} هو القرآن {فصلناه} بيّناه {على علم} فيه. يعني: ما أُودع من العلوم وبيان الأحكام {هدى} هادياً {ورحمة} وذا رحمةٍ {لقوم يؤمنون} لقومٍ أريد به هدايتهم وإيمانهم.

.تفسير الآيات (53- 55):

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)}
{هل ينظرون} ينتظرون، أَيْ: كأنَّهم ينتظرون ذلك؛ لأنَّه يأتيهم لا محالة {إلاَّ تأويله} عاقبة ما وعد الله في الكتاب من البعث والنُّشور {يوم يأتي تأويله} وهو يوم القيامة {يقول الذين نسوه من قبل} تركوا الإِيمان به والعمل له من قبل إتيانه {قد جاءت رسل ربنا بالحق} بالصِّدق والبيان {فهل لنا من شفعاء} هل يشفع لنا شافعٌ؟ {أو} هل {نردُّ} إلى الدُّنيا {فنعمل غير الذي كنا نعمل} نوحِّد الله ونترك الشِّرك، يقول الله: {قد خسروا أنفسهم} حين صاروا إلى الهلاك {وضلَّ عنهم ما كانوا يفترون} سقط عنهم ما كانوا يقولونه مِنْ أنَّ مع الله إلهاً آخر.
{إنَّ ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} أَيْ: في مقدار ستة أيَّامٍ، من الأحد إلى السَّبت، واجتمع الخلق في الجمعة {ثم استوى على العرش} أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السَّموات والأرض {يغشي الليل النهار} يُلبسه ويُدخله عليه {يطلبه حثيثاً} يطلب اللَّيل دائباً لا غفلة له {والشمس} وخلق الشَّمس {والقمر والنجوم مسخرات} مُذلَّلاتٍ لما يُراد منها من طلوعٍ وأُفولٍ، وسيرٍ ورجوعٍ {بأمره} بإذنه {ألا له الخلق} يعني: إنَّ جميع ما في العالم مخلوق له {و} له {الأمر} فيهم، يأمر بما أراد {تبارك الله} تمجَّد وتعظَّم وارتفع وتعالى.
{ادعوا ربكم تضرُّعاً} أَيْ: تملُّقاً {وخفية} سرَّاً {إنه لا يحب المعتدين} المجاوزين ما أُمروا به.

.تفسير الآيات (56- 58):

{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)}
{ولا تفسدوا في الأرض} بالشِّرك والمعاصي وسفك الدِّماء {بعد} إصلاح الله إياها ببعث الرَّسول {وادعوه خوفاً} من عقابه {وطعماً} في ثوابه {إنَّ رحمة الله} ثوابَ الله {قريب من المحسنين} وهم الذين يطيعون الله فيما أمر.
{وهو الذي يرسل الرياح نُشْراً} طيِّبة ليِّنة، من النَّشر وهو الرَّائحة الطَّيِّبة. وقيل: مُتفرِّقةً في كلِّ جانبٍ، بمعنى المنتشرة {بين يدي رحمته} قدَّام مطره {حتى إذا أقلَّت} أَيْ: حملت هذه الرِّياح {سحاباً ثقالاً} بما فيها من الماء سُقنا السَّحاب {لبلد ميت} إلى مكان ليس فيه نباتٌ {فأنزلنا به} بذلك البلد {الماء فأخرجنا} بذلك الماء {من كلَّ الثمرات كذلك نخرج الموتى} أَيْ: نحيي الموتى مثل ذلك الإِحياء الذي وصفناه في البلد الميت {لعلكم تذكرون} لعلَّكم بما بيَّنا تتَّعظون، فتستدلُّون على توحيد الله وقدرته على البعث، ثمَّ ضرب مثلاً للمؤمن والكافر فقال: {والبلد الطيب} يعني: العذبُ التُّراب {يخرج نباته بإذن ربه} وهذا مثل المؤمن يسمع القرآن فينتفع به، ويحسن أثره عليه {والذي خبث} ترابه وأصله {لا يخرج} نباته {إلاَّ نكداً} عسراً مُبطئاً، وهو مثل الكافر يسمع القرآن، ولا يُؤثِّر فيه أثراً محموداً، كالبلد الخبيث لا يُؤثِّر فيه المطر {كذلك نصرِّف الآيات} نبيِّنها {لقوم يشكرون} نِعَمَ الله ويطيعونه.

.تفسير الآيات (59- 66):

{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64) وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66)}
{ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} ظاهرٌ إلى قوله: {وأنصح لكم} أَيْ: أدعوكم إلى ما دعاني الله إليه {وأعلم من الله ما لا تعلمون} من أنَّه غفورٌ لمَنْ رجع عن معاصيه، وأنَّ عذابه أليمٌ لمن أصرَّ عليها.
{أَوَعجتبم أن جاءكم ذكر من ربكم} موعظةٌ من الله {على رجل} على لسان رجل {منكم} تعرفون نسبه. وقوله: {إنهم كانوا قوماً عمين} عميت قلوبهم عن معرفة الله تعالى وقدرته.
{وإلى عاد أخاهم} وأرسلنا إلى عادٍ أخاهم ابن أبيهم {هوداً قال يا قوم اعبدوا الله} وحِّدوا الله {ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} أفلا تخافون نقمته.
{قال الملأ} الرُّؤساء والجماعة {الذين كفروا من قومه إنَّا لنراك في سفاهة} حمقٍ وجهلٍ {وإنا لنظنك من الكاذبين} فيما جئت به من ادِّعاء النُّبوَّة.

.تفسير الآيات (68- 71):

{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71)}
{ناصح أمين} أَيْ: على الرِّسالة لا أكذب فيها.
{واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قَوم نوحٍ} أَيْ: استخلفكم في الأرض بعد هلاكهم {وزادكم في الخلق بسطة} فضيلةً في الطُّول {فاذكروا آلاء الله} نِعَمَ الله عليكم {لعلكم تفلحون} كي تسعدوا وتبقوا في الجنَّة، وقوله: {فأتنا بما تعدنا} أَيْ: من العذاب {إن كنت من الصادقين} أنَّ العذاب نازلٌ بنا.
{قال قد وقع} وجب {عليم من ربكم رجس وغضب} عذابٌ وسخطٌ {أتجادلونني في أسماء سَمَّيْتُموها} كانت لهم أصنام سمَّوها أسماءً مختلفةً، فلمَّا دعاهم الرَّسول إلى التَّوحيد استنكروا عبادة الله وحده. {ما نَزَّلَ الله بها من سلطان} من حجةٍ وبرهانٍ لكم في عبادتها {فانتظروا} العذاب {إني معكم من المنتظرين} ذلك في تكذيبهم إيَّاي.

.تفسير الآية رقم (73):

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)}
{فذروها تأكل في أرض الله} أَيْ: سهَّل الله عليكم أمرها، فليس عليكم رزقها ولا مؤونتها.

.تفسير الآيات (74- 75):

{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75)}
{وبوَّأكم في الأرض} أَيْ: أسكنكم وجعل لكم فيها مساكن {تتخذون من سهولها قصوراً} تبنون القصور بكلِّ موضعٍ {وتنحتون الجبال بيوتاً} يريد: بيوتاً في الجبال تُشققونها، وكانوا يسكنونها شتاءً، ويسكنون القصور بالصَّيف.
{قال الملأ} وهم الأشراف {الذين استكبروا من قومه} عن عبادة الله {للذين استضعفوا} يريد المساكين {لمن آمن منهم} بدلٌ من قوله: {للذين استضعفوا} لأنَّهم المؤمنون.

.تفسير الآيات (77- 81):

{فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81)}
{فعقروا الناقة} نحروها {وعتوا عن أمر ربهم} عصوا الله وتركوا أمره في النَّاقة {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا} من العذاب.
{فأخذتهم الرجفة} وهي الزَّلزلة الشَّديدة {فأصبحوا في دارهم} بلدهم {جاثمين} خامدين مَيِّتين.
{فتولى عنهم} أعرض عنهم صالحٌ بعد نزول العذاب بهم {وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم} خوَّفتكم عقاب الله، وهذا كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى بدر.
{ولوطاً} وأرسلنا لوطاً، أَيْ: واذكر لوطاً {إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة} يعني: إتيان الذُّكور {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} قالوا: ما نزا ذَكَرٌ على ذَكَرٍ حتى كان قوم لوطٍ.
{إنكم لتأتون الرجال...} الآية.